سيد محمد طنطاوي
87
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يقوله هذا الرجل المؤمن لأصحابه الذين معه في الجنة ، وبعد أن انتهى من كلامه مع قرينه . وهذا الكلام يقوله على سبيل التلذذ والتحدث بنعمة اللَّه عليهم . والاستفهام للتقرير ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام ، والمعطوف عليه محذوف . والمعنى : أنحن مخلدون في هذا النعيم ، ولن يلحقنا موت مرة أخرى بعد موتتنا الأولى التي لحقتنا في الدنيا ، ولن يصيبنا شيء من العذاب كما أصاب غيرنا ؟ إننا لنشعر جميعا بأننا لن نموت مرة أخرى ، وسنبقى في هذا النعيم الدائم بفضل اللَّه ورحمته . وبعضهم يرى أن هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت . قال القرطبي : قوله : * ( أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ . إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولى ) * : هو من قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت ، ويقال : « يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت » « 1 » . والإشارة في قوله - تعالى - : * ( إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * لما سبق الإخبار به من نفى الموت والعذاب عن أهل الجنة . وهذا القول - أيضا - حكاية لما يقوله ذلك المؤمن لمن معه في الجنة ، أي : إن هذا النعيم الدائم الذي نحن فيه - يا أهل الجنة - لهو الفوز العظيم ، الذي لا يدانيه فوز ، ولا يقاربه فلاح . ثم يقول لهم - أيضا - : * ( لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ) * أي : لمثل هذا العطاء الجزيل ، والنعيم المقيم ، فليعمل العاملون ، لا لغير ذلك من الأعمال الدنيوية الزائلة الفانية . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على البون الشاسع . بين النعيم المقيم الذي يعيش فيه عباد اللَّه المخلصون . وبين الشقاء الدائم الذي يعيش فيه الكافرون ، فقال - تعالى - : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 62 إلى 74 ] أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّه رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 66 ) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ ( 68 ) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ( 70 ) ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ ( 71 ) ولَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ( 72 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) إِلَّا عِبادَ اللَّه الْمُخْلَصِينَ ( 74 )
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 84 .